ابن أبي أصيبعة
601
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
بعد ذلك بمصر وأحسن إلي واشتمل علي وكان صديقا لأبي من السنين الكثيرة وكانت وفاة الأسعد المذكور بالقاهرة في سنة خمس وثلاثين وستمائة ولأسعد الدين بن أبي الحسن من الكتب كتاب نوادر الألباء في امتحان الأطباء صنفه للملك الكامل محمد بن أبي بكر بن أبوب ضياء الدين بن البيطار هو الحكيم الأجل العالم أبو محمد عبد الله بن أحمد المالقي النباتي ويعرف بابن البيطار أوحد زمانه وعلامة وقته في معرفة النبات وتحقيقه واختياره ومواضع نباته ونعت أسمائه على اختلافها وتنوعها سافر إلى بلاد الأغارقة وأقسى بلاد الروم ولقي جماعة يعانون هذا الفن وأخذ عنهم معرفة نبات كثير وعاينه في مواضعه واجتمع أيضا في المغرب وغيره بكثير من الفضلاء في علم النبات وعاين منابته وتحقق ماهيته وأتقن دراية كتاب ديقوريدس إتقانا بلغ فيه إلى أن لا يكاد يوجد من يجاريه فيما هو فيه وذلك أنني وجدت عنده من الذكاء والفطنة والدراية في النبات وفي نقل ما ذكره ديسقوريدس وجالينوس فيه ما يتعجب منه وأول اجتماعي به كان بدمشق في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة ورأيت أيضا من حسن عشرته وكمال مروءته وطيب أعراقه وجودة أخلاقه ودرايته وكرم نفسه ما يفوق الوصف ويتعجب منه ولقد شاهدت معه في ظاهر دمشق كثيرا من النبات في مواضعه وقرأت عليه أيضا تفسيره لأسماء أدوية كتاب ديسقوريدس فكنت أجد من غزارة علمه ودرايته وفهمه شيئا كثيرا جدا وكنت أحضر لدينا عدة من الكتب المؤلفة في الأدوية المفردة مثل كتاب ديسقوريدس وجالينوس والفافقي وأمثالها من الكتب الجليلة في هذا الفن فكان يذكر أولا ما قاله ديسقوريدس في كتابه باللفظ اليوناني على ما قد صححه في بلاد الروم ثم يذكر جمل ما قاله ديسقوريدس من نعته وصفته وأفعاله ويذكر أيضا ما قاله جالينوس فيه من نعته ومزاجه وأفعاله وما يتعلق بذلك ويذكر أيضا جملا من أقوال المتأخرين وما اختلفوا فيه ومواضع الغلط والاشتباه الذي وقع لبعضهم في نعته فكنت أراجع تلك الكتب معه ولا أجده يغادر شيئا مما فيها وأعجب من ذلك أيضا أنه كان ما يذكر دواء إلا ويعين في أي مقالة هو من كتاب ديسقوريدس وجالينوس وفي أي عدد هو من جملة الأدوية المذكورة في تلك المقالة وكان في خدمة الملك الكامل محمد بن أبي بكر بن أيوب وكان يعتمد عليه في الأدوية المفردة والحشائش وجعله في الديار المصرية رئيسا على سائر العشابين وأصحاب البسطات ولم يزل في خدمته إلى أن توفي الملك الكامل رحمه الله بدمشق وبعد ذلك توجه إلى القاهرة فخدم الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل وكان حظيا عنده متقدما في أيامه وكاننت وفاة ضاء الدين العشاب